صحيفة مطير(متابعة - صالح الشاطري):
دراستان: معدل التلوث وصل ذروته
من يبق في أرض «المهد»..يذهب إلى «اللحد»
نبقى مع «مهد الذهب»، ونبقى مع أزمة سكانه «المستعصية» منذ أكثر من ربع قرن، واستوجب دورنا الإعلامي، أن نفترض الشك فيما نشرناه بالأمس، فربما في الأمر نوع من «المُبالغة»، وربما في الموضوع تضخيم «مقصود»، فطرقنا باب العلم، لاستيضاح الأمر، واستجلاء الحقيقة، فجاءت النتيجة بتوقيع «سعودي ـ كندي»، بأن أرض المهد غير صالحة للإسكان الآدمي، وأن من يبقى فيها بعد الآن، كمن رضي بالموت المبكر، وأن من رفض مغادرتها، كمن فضل أن يصادق الأمراض الخبيثة، ويقضي حياته متنقلاً بين المستشفيات والمستوصفات لترميم جسده من آثار الأمراض. الجانب السعودي مثله الدكتور عبدالله الفراج، الحاصل على الدكتوراة في جامعة ولاية كولورادو الأمريكية, وأحد أفراد اللجنة المشكلة لمعالجة قضية مهد الذهب، ودرس تأثير العناصر الثقيلة الناتجة عن عمليات التعدين في الولاية, على معادن أكاسيد الحديد، وخاصة الجويوثايت، والجانب الكندي، مثله جامعة مومريال، واتفقت الدراستان على أن الخطر في أرض «المهد» بلغ ذروته، وأن سكانه دفعوا جزءاً من فاتورة استخراج الذهب في أرضهم، ولا حل الآن سوى إيقاف النزيف، ولملمة الجراح ووقف تسلل الأمراض الخبيثة إلى أناس بسطاء، ليس لهم ذنب في أن باطن أرضهم عامر بالذهب..
مركز البحوث
ويقول الفراج «عندما عدت إلى المملكة، توجهت إلى إجراء بحوث ودراسات، أردت أن أربط بين ما درست في الولايات المتحدة الأمريكية، وبين دراساتي في المملكة، فقررت أن أدرس العناصر الثقيلة وسلوكها في التربة، بما يتوافق مع البيئة السعودية التي تختلف بمكونات المعادن عن البيئة الموجودة في المناطق الاخرى، وكنت أركز على قضية الكربونات والمعادن الكثيرة بالمملكة، وكيف سيكون سلوك هذه العناصر, واخترت أقدم منطقة تعدين في المملكة، وهي منجم مهد الذهب، وكانت الفكرة بالتعاون مع الدكتور محمد الوابل رئيس القسم الحالي، وبتمويل من مركز البحوث التابع لجامعة الملك سعود.
الرفض المؤدب
وتابع الفراج «بدأنا نعد العدة، وتواصلنا مع الشركة صاحبة الامتياز في المنجم، وكان تصورنا السماح لنا بأخذ عينات قريبة من المنجم وللدراسة العلمية», مضيفاً «عندما تواصلت مع الدكتور منصور المعبر مسؤول الشركة, كان همي ان يسمح لي بالدخول، وأخذ عينات من التربة, ليس من المردم، إلا أنني صدمت بالرفض المؤدب من الشركة، دون أن تنطق بكلمة «لا», رغم انني حصلت على وعد بذلك»، مستطرداً «فما كان منا، إلا أن قررنا الاطلاع على الصورة الفضائية قبل ان نذهب الى المنطقة, فتواصلنا مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، للحصول على صورة فضائية لمنطقة مهد الذهب, وفوجئنا من خلال الصور، بعدم وجود منطقة للحماية من المرادم بمنطقة مهد الذهب, وأن المرادم موجودة مباشرة في نهاية منطقة الامتياز، وبجوار الامتداد العمراني في مدينة مهد الذهب، فوجدني أذكر لزملائي في البحث أن المسألة انتهت الآن، فقد كنا نريد الاستفادة من الشركة صاحبة الامتياز، لأخذ عينات من التربة, ولكن الآن لسنا بحاجة لها».
نتائج مزعجة
ويكمل الفراج «ذهبنا لمدينة مهد الذهب وأخذنا عينات للتربة من 55 موقعاً, وحاولنا ان نركز العينات في المنطقة التي توقعنا ان يكثر فيها التلوث, وأخذنا عينات من المنطقة الغربية من المنجم حتى نقارن اثر الجبل الموجود بين المنجم والجزء الغربي منه، حيث يوجد سكن الموظفين والبوابة الرئيسية، وفي الجهة الشرقية من الجبل توجد المرادم ومدينة مهد الذهب, وبعد ذلك بسنتين ظهرت النتائج، التي آلمتنا بدرجة كبيرة، وكشفت لنا حجم الكارثة, إذ يفترض أن يكون أعلى تركيز في التربة من عنصر الرصاص 200 ملجم لكل كيلوجرام, بيد أننا وجدنا في تربة مهد الذهب أن النسبة وصلت إلى 1100 ملي, وإذا كان الزئبق يجب ألا تتجاوز نسبته في التربة 0.4 ملجرام لكل كيلو متر، فقد وجدناه 4.3 ملجرام, والأمر نفسه لعنصر الكاديوم الذي ينبغي ألا يزيد على 0.7 ملجم، فقد وجدناه 51 ملجم لكل كيلوجرام من التربة, والزنك الذي يجب ألا يتعدى 300 ملجم في التربة غير الملوثة، وجدناه 10000 ملجم لكل كيلو جرام».
غبار الجو
ويضيف الفراج «اتخذنا بعد ذلك بعض المقاييس العملية، فقارنا بين الطبقة السطحية وما تحت السطحية, فوجدنا ان السطحية يزداد فيها تركيز العناصر الثقيلة, وهذا دلالة ان التلوث بهذه العناصر اتى من غبار الجو والتركيز، يزيد كلما اقتربنا من المنجم، ويقل كلما ابتعدنا عنه», موضحاً «مثل هذا التلوث، يسمى بالتلوث النقطي, وذلك لوجود نقطة مركزية للتلوث, واستخدمنا 3 معايير دولية, وهي المعيار الاسكتلندي، الذي يقسم التربة حسب البيئة, كما استخدمنا المعيار الهولندي وكذلك الصيني, وجميع هذه المعايير أكدت أن بيئة مهد الذهب ملوثة, وبناء على هذا المقياس، تم تقسيم التربة الى 5 اقسام, فاذا كان معامل الاثراء أقل من 2، تعتبر التربة طبيعية, وإذا كانت بين 2 إلى 5، تكون هناك مشكلة في التربة, وإذا كانت أعلى من 5، تكون التربة ملوثة «معنوية», وإذا كانت أعلى من 20، تكون التربة ملوثة بدرجة كبيرة, وإذا كانت أعلى من 40 تكون التربة ملوثة جدا، وللأسف الشديد، وجدنا في تربة مهد الذهب معامل الإثراء أعلى من 40, فجميع العينات الـ55 التي أجرينا عليها بحوثنا، ثبت أنها ملوثة، إما بدرجة كبيرة، أو كبيرة جداً أو معنوية»، مؤكداً «كما ثبت أيضاً أن التركيز العالي للتلوث بالعناصر الثقيلة وصل الى مرحلة الخطورة, وبناء على نتائج الدراسات, بدأنا مخاطبة الشركة صاحبة الامتياز في المنجم، عن طريق محافظ مدينة مهد الذهب المهندس صالح الحميدان، الذي بدوره تفاعل مع ما طرحناه، وقدمه إلى إمارة المدينة المنورة، التي كونت اللجان حيث بدأت عملها منذ سنتين».
جهات رسمية
وأسفرت أعمال اللجان التي شكلت بقرار من سمو أمير منطقة المدينة المنورة، عن عدد من التوصيات، وصدر الخطاب بتنفيذ هذه التوصيات في صفر من العام 1429هـ, وقال الفراج: «تم اختياري وزميلي محمد الوابل في لجنة مراقبة البيئة لمنجم مهد الذهب, وكان أول اجتماع لنا في العام 1430هـ، وذلك بعد سنة وأشهر من القرار الاول من تكوين اللجنة»، مضيفاً أن «الأطراف المشاركة في اجتماع اللجنة الاول هي وزارة البترول والثروة المعدنية، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وهيئة الأرصاد, ووزارة الصحة، ووزارة الشئون القروية ووزارة الزراعة والمياه، بالإضافة لإمارة المدينة المنورة، والشركة صاحبة الامتياز، ومندوبين من الجامعة الكندية لسماع ما جاء بنتائج الدراسة، وكان الهدف من الاجتماع، الاستماع لتقرير جامعة الملك سعود, وفوجئنا ونحن ندخل الاجتماع ان ممثل الجامعة الكندية موجود، ويريد عرض نتائج دراسة جامعته، وبعد اخذ ورد مع الشركة صاحبة الامتياز, وافقت على عرض الدراسة الكندية في نهاية الاجتماع, وفوجئنا أن نتائج الدراسة الكندية موافقة بالكامل مع نتائج جامعة الملك سعود»، مؤكداً أن النقاشات فيما بعد أثبتت أن «الشركة صاحبة الامتياز سمحت لباحثي الجامعة الكندية بالدخول للمنجم، ولم تسمح للباحثين السعوديين من جامعة الملك سعود بذلك».
محيط التلوث
وأعلن الدكتور الفراج أن الأضرار التي يسببها التلوث بالنسب السابقة خطيرة على البشر الموجودين في محيط التلوث، وقال: «لنأخذ على سبيل المثال الرصاص، الموجود بنسبة تركيز 1100 لكل ملجم في عينات مأخوذة من ملاعب أطفال في مهد الذهب, وثبت أنه يسبب مشاكل في السمع وصعوبات في تعلم الاطفال والتشنجات, وايضاً اليورانيوم المستخدم في عملية التعدين، سرعان ما يتحول الى غاز مسرطن، ويسبب مشاكل في البلعوم، والكادميوم مرتبط بأمراض الفشل الكلوي».
الجهاز التنفسي
ويؤكد الفراج أن هناك أوجه تلوث أخرى، لم تدرس حتى الآن، مثل النظائر المشعة والغازات السامة، وهي لم تُدرس, كغاز كبريتيت الهيدروجين، الذي يسبب مشاكل بالجيوب الانفية, والخطورة تكمن في الغبار، لأن التلوث مركز فيه», موضحاً أن الغبار «ينقسم الى 3 اقسام؛ الهواء الذي يحمل الغبار الى حجم 60 ميكرون (الميكرون هو وحدة قياس وهو جزء من مليون متر)، والأقل من 10 ميكرون، ويذهب إلى الجهاز التنفسي، وأقل من 2 ميكرون، وينتقل هذا الى الاغشية الداخلية للانسان, من 2 الى 10 ميكرون تبقى في الجهاز التنفسي دون ان تدخل الى الاغشية الداخلية، ومن 10 الى 60 ميكرون، يذهب الى الجهاز الهضمي, وهنا تبدأ مشكلة أخرى خاصة بالأطفال، لأن جهاز الامتصاص عندهم نشط جداً، فيمتص هذه العناصر ويحولها من عنصر موجود داخل معدن في التربة، إلى عنصر منفرد، فينتقل للدم، ويؤثر بالتالي على الاجهزة المختلفة، مثل الكلى والجهاز العصبي والسمع والبصر وقدرات الانسان العقلية وله علاقة بمرض التوحد»، موضحاً أن «الشركة لا تهتم بهذه الجوانب، لدرجة أن شخصاً اتصل بي، مصاب بالفشل الكلوي، لأنه كان يعمل في المنجم، وأخبرني أن زميلا له، توفي جراء إصابته بالسرطان والفشل الكلوي، وكانا يعملان سوياً بالمنجم منذ العام 2002م. وأن الشركة أجبرت صديقه على تقديم الاستقالة، براتب تقاعدي، لا يتجاوز 1700 ريال».
النظام البيئي
وبين الفراج أن المشكلة تكمن في أن الرئاسة العامة للارصاد وحماية البيئة ايدت الشركة صاحبة الامتياز في تحفظها على نتائج الدراسات العلمية، وقال: «ليس كل ما يُعلم يقال, فنحن نلتزم فقط بنتائج الدراسات وما رأيناه خلال المناقشات يقول ان الرئاسة العامة للارصاد وحماية البيئة، وافقت على وصف تربة مهد الذهب بأنها ملوثة بدرجات عالية، ووقع ممثلها على هذا المحضر، ثم تحفظت عليه فيما بعد». ورأى الفراج أن الحل الوحيد، هو تطبيق «النظام البيئي السعودي بتعليماته وتوصياته، في إدارة منجم مهد الذهب»، مؤكداً «نحن لا يوجد عندنا عجز في الأنظمة، ولكن يوجد عجز في التطبيق، والشركة صاحبة الامتياز، يطبق عليها القانون البيئى من عام 1428 وهذا ما استندنا اليه في هذه القضية
استشاري: 5 معادن تؤدي إلى «الفشل الكلوي» و«التخلف العقلي» و«السرطان»
جريدة اليوم
سكان المهد المتضرر الاول من التلوث
بجانب الأبحاث والدراسات، التي اتفقت عليها جامعة الملك سعود، والجامعة الكندية، يحذر الدكتور حسن بن إبراهيم العماري استشاري طب الأسرة وأمراض وجراحة الجلد من التلوث البيئي، الناتج من المعادن الثقيلة، معتبراً إياها من أكبر المشكلات والتحديات التي تواجه الإنسان فى الوقت الحاضر، وقال: «يؤدى تعرض الإنسان وتناوله لهذه المعادن، إلى حدوث الكثير من الأمراض مثل الفشل الكلوي، والذي أصبح في زيادة مخيفة فى الآونة الأخيرة، وخلل في وظائف الكبد، وزيادة حالات الإجهاض والأنيميا، وقد يؤدى كذلك إلى حالات من التخلف العقلي، وأهم هذه المعادن الضارة بالصحة هى الزئبق والرصاص والزرنيخ والكادميوم والألومنيوم والزنك والنحاس»، مؤكداً أنها معادن «شديدة السمية، وتدخل إلى الجسم بطرق مختلفة، منها التنفس والغذاء أو عن طريق الجلد».
وتحدث العماري عن أشهر خمسة معادن ثقيلة سامة، وقال: «أولها الزئبق الذي يعتبر واحداً من أكثر المعادن السامة، التي تسبب مشاكل صحية عديدة، ومعظم الناس معرضون للتلوث بالزئبق من مصادر مختلفة منها حشو الأسنان (الزئبق يمثل 50 بالمائة من الحشو المستديم) وهناك إحصائية تشير إلى أن ٩٥ بالمائة ممن يعانون أمراضًا فى الجهاز العصبى المركزى مثل الصرع والشلل والصداع النصفى، قد سبق لهم حشو أسنانهم بالأملجم»، مشيراً إلى أن «التلوث بالزئبق فى دول العالم الثالث يؤدى الزئبق إلى ضعف الإبصار وفقد السمع وحدوث مشاكل فى الجهاز الهضمى والعصبي، لتأثيره السام على الأعصاب، كما يؤثر على القدرة العقلية ويؤدى تراكمه إلى حدوث فشل في وظائف الكبد والكلى».
ويتواصل تحذير العماري من الرصاص، ويقول: «هناك مصادر عدة يتعرض فيها الإنسان للتلوث بالرصاص، منها الأصباغ والبنزين ومياه الشرب الملوثة وأثناء تصنيع البطاريات والزجاج والأغذية المعلبة»، مضيفاً «تعتبر المنازل المطلية بالأصباغ مصدرًا دائمًا لاستنشاق أبخرة الرصاص الملوثة التي قد تؤدي إلى اختلال فى وظائف المخ، وتغير في السلوك العصبى فى الإنسان الذى يؤدى إلى ضعف المقدرة على الإدراك وقلة الذكاء والسلوك العدواني»، مؤكداً أن «أكثر الفئات المعرضة للتسمم بالرصاص هم الأطفال».
ويتحدث العماري عن الألمونيوم، وتأثيره على التلوث قائلاً انه «يؤدي إلى حدوث أمراض خطرة منها هشاشة العظام والانيميا والصداع وضعف الذكاء ومشاكل فى الكلام وضعف الذاكرة وضعف الأعصاب»، مؤكداً أنه «توجد علاقة كبيرة بين تركيز الألمونيوم بالأنسجة الرخوة ومرض الزهايمر»، مضيفاً أن رابع المعادن المؤثرة على صحة الإنسان، هو الزرنيخ، ويقول: «تدخل مركباته العضوية في تصنيع المبيدات الزراعية، وفى حفظ الأخشاب ويوجد الزرنيخ أيضًا في مياه الشرب خاصة مياه العيون، والتعرض للزرنيخ لفترات طويلة هو أحد أسباب حدوث سرطان المثانة والرئتين والجلد والكبد وممرات الأنف والكبد والبروستاتا». وآخر المعادن هو الكادميوم، ويقول عنه الدكتور العماري أنه «ينتقل الى الجسم عبر الغذاء وخاصة جذور الخضراوات وعن طريق دخان السجائر، ومعروف عنه أنه معدن مسرطن ويؤدى إلى مشاكل فى الكلى وأمراض الرئتين وهشاشة العظام وارتفاع في ضغط الدم مع مشاكل في وظائف الكبد وتحطيم خلايا المخ».
|